أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

23

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1190 - قد سار شرقيّهم حتّى أتوا سبأ * وانساح غربيّهم حتّى هوى الشّأما قوله : كَذَّبُوا بِآياتِنا قد تقدّم أنه يجوز أن يكون خبرا عن « الَّذِينَ » إن قيل : إنه مبتدأ ، وإن لم يكن مبتدأ فقد تقدّم أيضا أنه يكون بيانا للدأب وتفسيرا له كأنه قيل : ما فعلوا وما فعل بهم ؟ فقيل : كذّبوا بآياتنا ، فهو جواب سؤال مقدر ، وأن يكون حالا . وفي قوله « بِآياتِنا » التفات ؛ لأنّ قبله « مِنَ اللَّهِ » وهو اسم ظاهر . والباء في « بِذُنُوبِهِمْ » يجوز أن تكون للسببية أي : أخذهم بسبب ما اجترموا ، وأن تكون للحال أي : أخذهم ملتبسين بالذنوب غير تائبين منها . والذّنب في الأصل : التلو والتابع ، وسمّيت الجريمة ذنبا لأنها يتلو - أي يتبع - عقابها فاعلها ؛ والذّنوب : الدّلو لأنها تتلو الحبل في الجذب ، وأصل ذلك من ذنب الحيوان لأنه يذنبه أي يتلوه يقال : ذنبه يذنبه ذنبا أي : تبعه . قوله : شَدِيدُ الْعِقابِ كقوله : « سَرِيعُ الْحِسابِ » « 1 » أي : شديد عقابه ، وقد تقدّم تحقيقه . وقد اشتملت هذه الآيات من أول السورة إلى ههنا أنواعا من علم المعاني والبيان والبديع لا تخفى على متأمّلها . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 12 ] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 12 ) قوله تعالى : سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ : قرأ الأخوان هذين الفعلين بالغيبة ، والباقون بالخطاب ، والغيبة والخطاب في مثل هذا التركيب واضحان كقولك : « قل لزيد : قم » على الحكاية ، وقل لزيد : يقوم ، وقد تقدم نحو من هذا في قوله : لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ « 2 » . وقال الشيخ « 3 » في قراءة الغيبة : « الظاهر أنّ الضمير للذين كفروا ، وتكون الجملة إذ ذاك ليست محكية بقل ، بل محكية بقول آخر ، التقدير : قل لهم قولي سيغلبون وإخباري أنه ستقع عليهم الغلبة ، كما قال : « قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ » « 4 » فبالتاء أخبرهم بمعنى ما أخبر به من أنهم سيغلبون ، وبالياء أخبرهم باللفظ الذي أخبر به أنهم سيغلبون » . وهذا الذي قاله سبقه إليه الزمخشري فأخذه منه ، ولكنّ عبارة أبي القاسم أوضح فلنوردها ، قال رحمه اللّه : « فإن قلت : أيّ فرق بين القراءتين من حيث المعنى ؟ قلت : معنى القراءة بالتاء - أي من فوق - الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم ، فهو إخبار بمعنى ستغلبون وتحشرون فهو كائن من نفس المتوعّد به ، وهو الذي يدل عليه اللفظ ، ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه كأنّه قال : أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون » . وجوّز الفراء وثعلب أن يكون الضمير في « سيغلبون وسيحشرون » لكفار قريش ، ويراد بالذين كفروا اليهود ، والمعنى : قل لليهود : « ستغلب قريش » ، وهذا إنما يتجه على قراءة الغيبة فقط . قال مكي : « ويقوّي القراءة بالياء - أي : من تحت - إجماعهم على الياء في قوله : « قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا » ، قال : « والتاء - يعني من فوق - أحبّ إليّ لإجماع

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 202 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 83 ) . ( 3 ) البحر المحيط 2 / 392 . ( 4 ) سورة الأنفال ، آية ( 38 ) .